الرد المجمل على الأشاعرة فى تأويلهم للأسماء والصفات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه . أما بعد :
فبعد أن بيَّنا اعتقاد أهل السنة والجماعة فى باب الأسماء والصفات فى مقال سابق ، نود أن نشير هنا إلى من خالف هذا المنهج القويم من أهل البدع والأهواء الذين خالفوا الكتاب والسنة وطريق سلف الأمة ونفوا أسماء الله وصفاته وعطلوها ، ومن هولاء المبتدعة الأشاعرة فهم يؤولون بعص صفات الله عز وجل ويثبتون بعضها ، وهذا باطل مخالف لما كان عليه السلف الصالح فإنهم يثبتون كل ما جاء فى الكتاب والسنة من صفات لله عز وجل ، وسوف أجمل الرد عليهم فى قاعدتين مهمتين ذكرهما شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله :
القاعدة الأولى : القول فى بعض الصفات كالقول فى بعض
قال شيخ الإسلام بن تيمية فى \" مجموع الفتاوى \" ( 3/ 17 – 18 ) :
\" ...... أن يقال : \" القول فى بعض الصفات كالقول فى بعض \" فإن كان المُخَاطَبُ ممن يقول : بأن الله حىٌ بحياة ، عليم بعلم ، قدير بقدرة ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، متكلم بكلام ، مريد بإرادة ، ويجعل ذلك كله حقيقة . وينازع فى محبته ورضاه ، وغضبه وكراهته ، فيجعل ذلك مجازًا ، ويفسره إما بالإرادة ، وإما ببعض المخلوقات كالنعم والعقوبات .
فيقال له : لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته ، بل القول فى أحدهما كالقول فى الآخر . فإن قلتَ : إن إرادته مثل إرادة المخلوقين . فكذلك محبته ورضاه ، وهذا هو التمثيل .
وإن قلتَ : إن له إرادة تليق به كما أن للمخلوقين إرادة تليق بهم . قيل لك : وكذلك له محبة تليق به ، وللمخلوق محبة تليق به ، وله رضا وغضب يليق به ، وللمخلوق رضا وغضب يليق به .
وإن قلت : الغضب غليان دم القلب لطلب الإنتقام . فيقال له : والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة ، أو دفع مضرَّة . فإن قلت هذه إرادة المخلوق . قيل لك وهذا غضب المخلوق .
وكذلك يلزم القول فى كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته ؛ إن نُفِىَ عنه الغضب ، والمحبة ، والرضا ، ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين ؛ فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات .
وإن قال : أنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين ؛ فيجب نفيه عنه . قيل له : وهكذا السمع ، والبصر ، والكلام ، والعلم ، والقدرة .
فهذا المُفِرِّق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته ........ \" ا هــ .
القاعدة الثانية : القول فى الصفات كالقول فى الذات
قال شيخ الإسلام بن تيمية فى \" مجموع الفتاوى \" ( 3/ 25 – 27 ) :
وهو أن يقال : \" القول فى الصفات كالقول فى الذات \" ، فإن الله ليس كمثله شىء لا فى ذاته ، ولا فى صفاته ، ولا فى أفعاله . فإن كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات ، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات .
فإذا قال السائل : كيف استوى على العرش ؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضى الله عنهما : الإستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عن الكيفية بدعة ؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه .
وكذلك إذا قيل : كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ؟ قيل له : كيف هو ؟ فإذا قال لا أعلم كيفيته . قيل له : ونحن لا نعلم كيفية نزوله ؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف ، وهو فرع له وتابع له ؛ فكيف تطالبنى بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله ، وأنت لا تعلم كيفية ذاته .
وإذا كنت تُقِرُّ بأن له حقيقة ثابتة فى نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شىء ، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت فى نفس الأمر ، وهو متصف بصفات الكمال التى لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم .
وهذا الكلام لازم لهم فى العقليات ، وفى تأويل السمعيات ؛ فإن من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بالعقل – إذًا _ أُلزِمَ فيما نفاه من الصفات التى جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته ، ولو طولب بالفرق بين المحذور فى هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا .
ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض – الذين يوجبون فيما نفوه : إما التفويض ، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ – قانون مستقيم . فإذا قيل لهم : لِمَ تأوَّلتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد ؟ لم يكن جواب صحيح ، فهذا تناقضهم فى النفى .
وكذلك تناقضهم فى الإثبات ؛ فإن من تأوَّل النصوص على معنى من المعانى التى يثبتها ، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذى هو مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم فى المعنى المصروف إليه إلى ما كان يلزمهم فى المعنى المصروف عنه .
فإذا قال قائل : تأويل محبته ورضاه ، وغضبه وسخطه : هو إرادته للثواب والعقاب ؛ كان ما يلزمه فى الإرادة نظير ما يلزمه فى الحب والمقت ، والرضا والسخط .
ولو فسر ذلك بمفعولاته ، وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب ، فإنه يلزمه فى ذلك نظير ما فرَّ منه ، فإن الفعل لابد أن يقوم أولا بفاعل ، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه ، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب ، فهم إذا أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول فى الشاهذ للعبد مثَّلوا ، وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات \" ا هــ .
هذا وللحديث بقية ، والله الموفق وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم