مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة فى الأسماء والصفات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه . أما بعد :
فقد طلب منى بعض الأخوة أن أكتب مقالات تفيد طلبة العلوم الشرعية لتنشر فى هذا الموقع المبارك ، فأجبته إلى ذلك . وكنت قد ذكرت فى مقدمة تحقيقى لكتاب \" أسماء الله وصفاته \" للإمام البيهقى بعض الأبحاث التى أراها مفيدة لطلبة العلم ، فأردت أن أثبتها ها هنا ..
إن أعظم العلوم وأجلها وأشرفها هو العلم بأسماء الله وصفاته الذى هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة ، و اعتقاد أهل السنة والجماعة هو الحق فى هذا الباب وما خالفه هو الباطل ، فهم يثبتون كل ما أثبته الله عز وجل لنفسه فى كتابه و فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وسوف أبين فى النقاط التالية مجملا لاعتقاد أهل السنة والجماعة فى باب الأسماء والصفات :
· أهل السنة مجمعون على الإقرار بكل ما ورد فى الكتاب والسنة من أسماء وصفات لله عز وجل ، وحملها على الحقيقة لا المجاز ، ويؤمنون بها من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل .
· ويقولون : إن معنى الصفات معلوم وكيفيتها مجهولة . ويتبرؤون من مذهب المفوِّّضة الذين يفوِّضون معنى الصفات .
· والأسماء والصفات عندهم توقيفية ، فلا يثبتون شيئًا منها إلا بنص من الكتاب أو السنة أو الإجماع .
· ويقبلون أخبار الآحاد فى الأسماء والصفات ، ومن ردًّها بعد ثبوت صحتها فهو عندهم مبتدع زائغ .
· ويقدِّمون الكتاب والسنة على عقولهم وآرائهم ولا يعارضون النصوص بها .
· وهم متابعون للسلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم فى هذا الباب ، ولا يخالفون فى شىء منه ، فما أثبته السلف الصالح أثبتوه ، وما نفوه نفوه وما سكتوا عنه سكتوا عنه .
· ويقرُّون بأن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم ، وأن من خالف السلف وزعم أن مذهبه أفضل من مذهب السلف هم جهلة مبتدعة ضالون مضلون .
هذا هو مجمل إعتقاد أهل السنة والجماعة فى هذا الباب ، ولم يرد عن أحد منهم أنه أوًّل شيئًا من صفات الله عز وجل ، وحسبك أن تعلم أن كتاب الأسماء والصفات للبيهقى وهو من أجمع الكتب فى ذكر نصوص الأسماء والصفات وأقوال السلف فيها ، ومع ذلك لم يستطع مؤلفه رحمه الله - مع أنه منسوب إلى الأشاعرة - أن يأتي بنقل واحد عنهم صريح صحيح يدل على جواز التأويل .
قال الإمام ابن قدامه المقدسى \" تحريم النظر فى كتب الكلام \" ( ص : 36 ) :
\" لا خلاف فى أن مذهب السلف الإقرار والتسليم ، وترك التعرُّض للتأويل والتمثيل . ثم إن الأصل عدم تأويلهم ، فمن ادعى أنهم تأولوها فليأت ببرهان على قوله ، وهذا لا سبيل إلى معرفته إلًّا بالنقل والرواية ، فلينقل لنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن صحابته أو عن أحد من التابعين أو الأئمة المرضيين . ثم المدعي لذلك من أهل الكلام ، وهم من أجهل الناس بالآثار وأقلهم علمًا بالأخبار وأتركهم للنقل ، فمن أين لهم علم بهذا ؟! ومن نقل منهم شيئًا لم يقبل نقله ولا يلتفت إليه وإنما لهم الوضع والكذب وزور الكلام \" ا هـ .
قلت : والنقل عن أهل السنة مستفيض فى إثبات الصفات وإمرارها كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، فمن ذلك :
قال الإمام الشافعي رحمه الله :
\" لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه ، وأخبر بها نبيه أمته ، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها ؛ لأن القرآن نزل بها ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول ، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر ، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل ؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ، ولا بالرؤية والفكر ، ولا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها ، ونثبت هذه الصفات ، وننفى عنها التشبيه كما نفاه عن نفسه : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى : 11 ] \" ا هـ . \" سير أعلام النبلاء \" (10/78-79 ) ، و\" إجتماع الجيوش الإسلامية \" (ص : 101 ) .
وقال الإمام فضيل بن عياض رحمه الله :
\" ليس لنا أن نتوهم فى الله كيف ولا كيف ؛ لأن الله وصف بفسه فأبلغ فقال : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4} } . فلا صفة أبلغ مما وصف الله به نفسه ، وكذا النزول والضحك والمباهاة والإطلاع ، كما شاء أن ينزل ، وكما شاء أن يباهى ، وكما شاء أن يطلع وكما شاء أن يضحك ، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف . وإذا قال لك الجهمى : أنا كفرت برب ينزل عن مكانه . فقل : بل أؤمن برب يفعل ما يشاء \" ا هـ . \" مجموع الفتاوى \" (5/ 62 ) ، و\" إجتماع الجيوش الإسلامية \" (ص : 164 ) .
وقال الإمام الترمذى فى \" سننه \" (3 / 41- 42 ) فى حديث : \" إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه \" قال :
\" وقد قال غير واحد من أهل العلم فى هذا الحديث ، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا . قالوا : قد ثبتت الروايات فى هذا ، ويُؤْمَنُ بها ولا يُتوهم ولا يقال : كيف ؟ هكذا رُوِىَ عن مال وسفيان بن عيينه وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا فى هذه الأحاديث : أَمِرُّوها بلا كيف . وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة .
وأما الجهمية فأنكرت هذه الورايات وقالوا : هذا تشبيه . وقد ذكر الله عز وجل فى غير موضع من كتابه : اليد والسمع والبصر ، فتناولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم ، وقالوا : إن الله لم يخلق آدم بيده . وقالوا : إن معنى اليد هاهنا القوة .
وقال إسحاق بن إبراهيم : إنما يكون التشبيه إذا قال : يد كيد او مثل يد ، أو سمع كسمع أو مثل سمع . فإذا قال : سمع كسمع أو مثل سمع فهذا تشبيه . وأما إذا قال كما قال الله تعالى : يد وسمع وبصر . ولا يقول : كيف . ولا يقو : مثل سمع ولا كسمع . فهذا لا يكون تشبيهًا . وهو كما قال الله تعالى فى كتابه : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى : 11 ] \" ا هـ .
وقال الإمام أبو نعيم الأصبهانى رحمه الله :
\" طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ، فما اعتقدوه اعتقدناه ، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التى تثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى العرش وإستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ، وأن الله بائن من خلقه ، والخلق بائنون منه ، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم ، وهو مستو على عرشه فى سمائه دون أرضه \" ا هـ \" بيان تلبيس الجهمية \" (3 / 404 ) .
وقال الإمام أبو عثمان الصابونى فى \" عقيدة السلف وأصحاب الحديث \" ( ص : 160 – 166 ) :
\" أصحاب الحديث – حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم – يشهدون لله تعالى بالوحدانية وللرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة والنبوة ، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التى نطق بها وحيه وتنزيله ، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم . على ما وردت الأخبار الصحاح به ، ونقلت العدول الثقات عنه ، ويثبتون له جل جلاله ما أثبته لنفسه فى كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه ...... وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف ، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم ، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه ، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه ، واتبعوا قول الله عز وجل : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى : 11] ...... وكذلك يقولون فى جميع الصفات التى نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح ، من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها ، من غير تشبيه لشىء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين ، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه ، ولا تكييف له ، ولا تشبيه ولا تحريف وتبديل ولا تغيير ، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه ، بتأويل منكر يستنكر ، ويجرون على الظاهر ، ويكلون علمه إلى الله تعالى ، ويُقِرُّون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله ، كما أخبر الله عن الراسخين فى العلم أنهم يقولونه فى قوله تعالى : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } [ آل عمران : 7] \" اهـ .
وقال الإمام الخطَّابى رحمه الله فى \" الغنية عن الكلام وأهله \" :
\" أما ما سألت عنه من الصفات ، وما جاء منها فى الكتاب والسنة ، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ، ونفى الكيفية والتشبيه عنها ، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله ، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا فى ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف ، وإنما القصد فى سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ، ودين الله تعالى بين الغالى فيه والجافى والمقصِّر عنه .
والأصل فى هذا أن الكلام فى الصفات فرع على الكلام فى الذات ، ويجتذى فى ذلك حذوه ومثاله ، فإن كان معلومًا أن إثبات البارى سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف \" ا هـ \" مجموع الفتاوى \" (5 / 58 – 59 ) .
وقال الإمام أبو نصر السجزى فى \" الرد على من أنكر الحرف والصوت \" ( ص : 121 – 122 ) :
وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا ، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف . فقول المتكلمين فى نفى الصفات أو إثباتها بمجرد العقل أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال . ولا يجوز أن يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وذاك إذا ثبت الحديث ولم يبق شبهة فى صحته .... \" ا هـ .
وقال الإمام بن عبد البر فى \" التمهيد \" ( 7/ 145 ) :
\" أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها فى القرآن والسنة والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز ، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ، ولا يحدون فى صفة محصورة . وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبِّه ، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود ، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ، وهم أئمة الجماعة . والحمد لله \" ا هـ .
هذا وللحديث بقية ، والله الموفِّق وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .