بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
فهذه فوائدٌ مستنبطةٌ من حديث واحد ، ولا غرو !
فإن الله تبارك وتعالى بعث محمدًا رحمة للعالمين ، وفوض إليه بيانَ ما أُنزِلَ إلينا ، فأوضح لنا كل الأمور المهمة ، وخصَّة ببدائع الفوائد والحكم ، كما ثبت فى البخارى (2977) ومسلم (523) عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال :\" بعثت بجوامع الكلم \" . قال الزهرى : جوامع الكلم – فيما بلغنا – أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التى كانت تُكتب فى الكتب قبله فى الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك .
وهذه الفوائد والحكم إنما يستنبطها ويستخرجها العلماء والجهابذة ممن هم أهل الإستنباط ، وقد تظهر بعض هذه الفوائد لطالب علم مثلى ممن بضاعته مزجاة – أسأل الله أن يتقبل منا جميعا .
عن صهيب بن سنان الرومى رضى الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" خياركم من أطعم الطعام \" .
هذا هو نص الحديث إلّا أن الحديث له سبب إيراد من الصحابى الجليل صهيب ..
إذ أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لصهيب : أى رجل أنت ، لولا خصال ثلاث فيك ، قال صهيب : وما هنَّ ، قال : إكتنيت ولا ولد لك ، وانتميت إلى العرب ولست منهم ، وأنت من الروم ، وفيك سرفٌ فى الطعام . قال صهيب : أما قولك : اكتنيت ولم يولد لك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانى أبا يحيى . وأما قولك : انتميت إلى العرب ولست منهم وأنت رجل من الروم ؟ فإنى رجل من النمر بن قاسط ، فَسَبَتْنِى الرومُ من الموصل بعد إذ أنا غلامٌ عرفت نسبى . وأما قولك : فيك سرفٌ فى الطعام ؛ فإنِّى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :\" خياركم من أطعم الطعام \" .
وفى هذا الحديث فوائد :
الأولى :- مشروعية التَّكنى لمن لم يولد له ؛ بل صحَّ فى البخارى (5845) وعند غيره ، أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كنَّى طفلة صغيرة حينما كساها ثوباً جديداً ، فقال لها : \" يا أم خالد هذا سنا ، يا أم خالد هذا سنا \" والسنا بلسان الحبشة : الحسن .
وقد لاحظنا فوجدنا أن كثيرًا من المسلمين تركوا التَّكنى وهجروه إلا من رحم ربى ، وخاصة الأعاجم من آسيا ومن الدول الإفريقية وغيرها من العالم الإسلامى ، فتجد الواحد عندنا – أعنى فى أفريقيا – له العشرات من الأولاد ، ولا يتكنى بواحد منهم وأقام هؤلاء وأولئك مقام هذه السنة ألقابا مبتدعة ، قال العلامة الالبانى ( السلسلة الصحيحة : 1/111 ) : وأقاموا مقام هذه السنة ألقابا مبتدعة مثل : الأفندى ، والباشا ، ثم السيد ، أو الاستاذ ونحو ذلك مما يدخل بعضه أو كله فى باب التزكية المنهى عنها فى أحاديث كثيرة ، فلينتبه لهذا \" .
الثانية :- فضل إطعام الطعام وهو من العادات الجميلة التى امتاز بها العرب عن غيرهم ؛ بل ورثها غيرُهم عنهم ، فإننا إلى الآن لم نجد مثل العرب جودًا وكرمًا ، إلا من تشبه بهم من الأعاجم المسلمين
قال الشاعر :
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالرجال فلاح
ثم جاء الإسلام وأكَّد الإطعام وبيَّن فضله ، كما فى الحديث الذى معنا ، بينما لم تعرف ذلك أوروبا ولا الدول غير الإسلامية ولا استذاقوه ، إلَّا من دان بالإسلام منها كالأفارقة والألبان ونحوهم .
قال العلامة الألبانى طيَّب الله ثراه : وإن مما يؤسف له أن قومَنا بدأوا يتأثرون بأوروبا فى طريقة حياتها – ما وافق الإسلام منها وما خالف – فأخذوا لا يهتمون بالضيافة ، ولا يلقون لها بالًا ؛ اللهم ! إلّا ما كان منها فى المناسبات الرسمية ولسنا نريد هذا ؛ بل إذا جاءنا أى صديق مسلم وجب علينا أن نفتح له دورنا ، وأن نعرض عليه ضيافتنا ، فذلك حق له علينا ثلاثة أيام ؛ كما جاء فى الأحاديث الصحيحة .
هذا ولايزال المسلمون فى الدول يستقبلون الضيف وإن كانوا لا يعرفونه مادام مسلمًا ، ولقد رأيت أبى وغيره يأخذون الضيف من المسجد ثم يقومون معه بحق الضيافة ، وقد أخبرنى من أثق به أن طلبة العلم والشيوخ فى السعودية – حفظهم الله – إذا علموا أنك ضيف ، أخذك الشيخ معه إلى بيته وقام بضيافتك بنفسه ، فهذه هى سماحة الإسلام وهذه هى أخلاق المسلمين .
هذا ما تيسر ، وإلى مقال آخر إن وفقنا الله لذلك
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه