فَضْلُ علمِ الحديثِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه . أما بعد :
علم الحديث من أشرف العلوم وأفضلها ، وذلك لأنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين ، وقد أوتى جوامع الكلم ، وسواطع الحكم من عند رب العالمين .
فكلامه أشرف الكلام – بعد كلام الله تعالى – وحِكَمُهُ أجمع الحكم ، وهو علم يُكسب صاحبه معنى الصحبة ، لأنه يطلعه على على جزئيات أحواله صلى الله عليه وسلم فى العبادات ، والعادات كلها ؛ فيرتسم فى خياله – من طول مزاولته لعلم الحديث – شخصُهُ صلى الله عليه وسلم ، بحيث يصير فى حُكم المشاهدة والعيان ، وإليه أشار القائل بقوله :
أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
ويُرْوَى عن بعض العلماء أنه قال ( مقدمة \" تحفة الأحوذى \" ص 12 ) :\" أشد البواعث ، وأقوى الدواعى لى على تحصيل علم الحديث لفظ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" .
قال ابن الصلاح رحمه الله ( مقدمة كتابه \" علوم الحديث \" ) :\" هذا وإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة ، وأنفع الفنون النافعة ، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم ، ويُعنى به محققوا العلماء وكَمَلَتُهُم ، ولا يكرهُهُ من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم \" .
وقال الرامهرمزى ( مقدمة \" المحدث الفاضل \" ) : قيل لبعض الأشراف : نراك تشتهى ان تُحَدِّثَ ، فقال :\" أوَلَا أحبُ أن يُجتمع اسمى ، واسم النبى صلى الله عليه وسلم فى سطر واحد \".
واعلم أن طلب الحديث صلاحا ومنفعة وعزة فى الدنيا والآخرة :
روى الخطيب عن سهل بن عبدالله الزاهد أنه قال ( \" شرف أصحاب الحديث \" ص 117 ) :\" من أراد الدنيا والأخرة فليكتب الحديث ، فإن فيه منفعة فى الدنيا والآخرة \".
ثم روى رحمه الله عن عبدالله بن داود أنه قال :\" الحديث عز ومن أراد به الدنيا دنيا ، ومن أراد به الآخرة آخرة \" .
كذلك فإن طلب الحديث ، ونشره أفضل من نوافل الصلاة والصوم وغيرِهِما من الأعمال بشرط الإخلاص لله تعالى فى ذلك :
روى الخطيب عن الثورى أنه قال ( \" شرف أصحاب الحديث \" ص 148 ) :\" ما أعلم على وجه الأرض من الأعمال أفضل من طلب الحديث لمن اراد به وجه الله \" .
ثم روى عن وكيع قوله :\" ما عُبِدَ الله بشىء أفضل من الحديث \" .
ثم روى عن سليمان التيميَّ أنه قال :\" كنا عند أبى مَجْلَز ، وهو يحدثنا ، قال : فقال رجل : لو قرأتم سورة ؟ فقال أبو مَجْلَز :\" ما الذى نحن فيه بأنقَصَ إليَّ من قراءة سورة \" .
ثم روى عن الشافعي أنه قال ( \" شرف أصحاب الحديث \" ص 193 ) :\" طلب العلم أفضل من صلاة النافلة \" .
وقال الخطيب رحمه الله ( \" شرف أصحاب الحديث \" ص 156 ) :\" طلب الحديث فى هذا الزمان أفضل من سائر أنواع التطوع ، لأجل دُرُوسِ السنن وخمولها ، وظهور البدع واستعلاء أهلها \" .
قلت فماذا نقول نحن فى زماننا هذا ؟!
واعلم أن أقصدَ طريق إلى الجنة هو طريق من يطلب الحديث ويعمل به :
قال شاذ – وقيل شيبان بن يحيى [ (\" السير\" (20/331 ) ، \" تذكرة الحفاظ \" ( رقم 1089 ) ] :\" ما أعلم طريقًا إلى الجنة أقصد ممن يسلك طريق الحديث \" .
قال السيد المرتضَى الواسطي [مقدمة \" تحفة الأحوذى \" ( ص 16 ) ]
علم الحديث شريف ليس يدركه إلا الذى فارق الأوطان مغتربا
وجاهد النفس فى تحصيله فغدا يجتاب بحرا وفى الأوعارمضطربا
يلقى الشيوخ ويروى عنهم سندا وحافظ ما روى عنهم وما كتبا
ذاك الذى فاز بالحسنى وتم له حظ السعادة موهوبا ومكتسبا
طوبى لمن كان هذا العلم صاحبه لقد نفى الله عنه الهم والنصبا
وسئل ابن مهدى كما فى ترجمته فى \" التهذيب \" : أيما أحب إليك أن يغفر الله لك ذنبك ، أو تحفظ حديثا ؟ قال : أحفظ حديثا . .
وعلم الحديث هو العلم الذى أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أنه ينقص فى آخر الزمان :
قال ابن حبان مقدمة \" المجروحين \" ( ص 20 ) : \" وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن العلم ينقُصُ فى آخر الزمان ، وأرى العلوم كلها يزداد إلا هذه الصناعة الواحدة ، فإنها كل يوم فى النقص ، فكأن العلم الذى خاطب النبى صلى الله عليه وسلم أمته بنقصه فى آخر الزمان هو معرفة السنن ، ولا سبيل إلى معرفتها إلا بمعرفة الضعفاء والمتروكين \".
حدثنا عبدالله بن سليمان الأشعث قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عَنْبَسَة ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثنى حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\" يتقارب الزمان ، وينقص العلم ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج \" قيل : يا رسول الله أيُّمَ هو ؟ قال :\" القتل القتل \" . رواه البخارى ومسلم .
قال أبو حاتم بن حبان :\" فى هذا الخبر كالدليل على أن مالم ينقص من العلم ليس بعلم الدين فى الحقيقة ، إذ أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن العلم ينقص عند تقارب الزمان .
وفيه دليل على أن ضد العلم يزيد ، وكل شىء زاد مما لم يكن مَرجعُهُ إلى الكتاب والسنة ، فهو ضد العلم ، ولست أعلم العلوم كلها إلا فى زيادة إلا هذا الجنس الواحد من العلم ، وهو الذى لا يكون للإسلام قوام إلا به ، إذ الله عز وجل أمر الناس بإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وعند التنازع الرجوع إلى مِلَّتِهِ عند الحوادث ، حيث قال :[ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] .
ثم نفى الإيمان عمن لم يُحَكِّم رسولَه فيما شجر بينهم فقال [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] ا هـ .
قلت : صدق والله الإمام ابن حبان ، فإن من يُحْسِنُ صناعة الحديث فى عصرنا هذا قليل جدًا ، يُعدُّون على أصابع اليدين ، هذا مع تكاثر من يُحْسِنُ العلوم الأخرى لا سيما العلوم الدنيوية .
قال العلامة المحدث أحمد شاكر رحمه الله [شرح ألفية السيوطى \" ( ص 93 ) ] :
\" أما عصرنا فقد ترك الناس فيه الرواية جملةً ، ثم تركوا الإشتغال بالأحاديث إلا نادرًا ، وقليل أن ترى منهم من هو أهلٌ لأن يكون طالبًا لعلوم السنة ، وهيهات أن تجد من يَصْلُح أن يكون محدثًا ، وأما الحفظ فإنه انقطع أثره ، وخُتِمَ بالحافظ ابن حجر رحمه الله ، ثم قارب السخاويُ والسيوطيُ أن يكونا حافظين ، ثم لم يبق بعدهما أحد .
ومن يدرى فلعل الأمة الإسلامية تستعيد مجدها ، وترجع إلى دينها وعلومها ، ولا يعلم الغيب إلا الله ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم :\" بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ \" . ا هـ . \"
واعلم أنه لا يبغض الحديث وسماعه إلا المبتدعة :
روى الخطيب ( \" شرف أصحاب الحديث \" ص 156 ) عن بَقِيَّة أنه قال : قال الأوزاعى : يا أبا يُحْمِد ما تقول فى قوم يبغضون حديث نبيهم ؟ قلت : قوم سوء ، قال :\" ليس من صاحب بدعة تُحدِثُهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف بدعته بحديث إلا أبغض الحديث \" .
قال الحاكم [ مقدمة \" معرفة علوم الحديث \" ] : سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى يقول : سمعت أبا نصر أحمد بن سلام الفقيه يقول :\" ليس شىء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناده \" .
ثم قال : سمعت الشيخ ابا بكر أحمد بن إسحاق الفقيه وهو يناظر رجلا ، فقال الشيخ : حدثنا فلان ، فقال له الرجل : دعنا من \" حَدَّثَنَا \" إلى متى \" حَدَّثَنَا \" ، فقال له الشيخ : قُمْ يا كافر ، لا يَحِلُ لك أن تدخل دارى بعد هذا ، ثم التفت إلينا فقال : ما قُلت لأحد : لا تدخل دارى ، إلا لهذا \" . ا هـ
وقد أحسن احدهم إذ قال [ \" شرف أصحاب الحديث \" ( ص 133 ) ] :
لا يطب العلم إلا بازل ذكر وليس يبغضه إلا المخانيث
لا تعجبن بمال سوف تتركه فإنما هذه الدنيا مواريث
وأختم هذا البحث بما أنشده بعض العلماء فى فضل علم الحديث حيث قال [مقدمة \" تحفة الأحوذى \" ( ص 16 ) ] :
أعظم به هديا زكاه خالقه بالعدل والفضل والأيات والسور
فلو تمسك خلق الله أجمعهم بلفظ منه نالوا أشرف الوطر
هذا هو العلم والبحر الذى سعدت خواصه بأعالى الجوهر الدرر
تشفى الصدور به حقا وخادمه يوم الورود تراه فاز بالصدر
تلقى ملائكة الرحمن أجنحة له إذا سار هذا أفخر البشر
يستغفر الله حيتان البحر لمن يرعاه بالفهم لو وقتا من العمر
الفضل لله هذا نور من شرقت له البشائر فى الأفاق بالبشر
صلى عليه إله العرش ما صدحت ورق على فنن الأغصان و الشجر
وإلى لقاء قريب بإذن الله تعالى
والله الموفِّق وصلِّى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم