موقع الشيخ محمد طلبة | لماذا سُمُّوا أهل الحديث

اسم المقالة: لماذا سُمُّوا أهل الحديث
كاتب المقالة : محمد محب الدين أبو زيد

لماذا سُمُّوا أَهلَ الحديثِ؟

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده اللهُ فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه . أما بعد :

 

لقد تعرفنا فى مقال سابق على أهل الحديث ، وفى هذا المقال - بعون الله وتوفيقه – نوضح سبب تسميتهم بهذا الاسم فنقول :

سُمُّوا بهذا الاسمِ: لاعتنائِهم بتحصيلِ أحاديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وتمييزِ صحيحها من سقيمِها، وحفظِها، وفهمِهما، والتفقُّهِ فيها، والعملِ بها في جميعِ أمورِ الدينِ .

 

قال الشهرستانيُّ «المِلَل والنِّحَل» (1/206)  :

«وإِنَّما سُمُّوا «أصحابَ الحديثِ»؛ لأَنَّ عنايتَهم بتحصيلِ الأحاديثِ، ونقلِ الأَخبارِ، وبناءِ الأحكامِ على النصوصِ، ولا يَرْجِعون إِلى القياسِ الجليِّ والخفيِّ ما وجدوا خبرًا أو أَثرًا » انتهى .

 

وقال اللالَكَائيُّ «شرح أصول الاعتقاد» (1/22- 24) :

«فمَن اقتصرَ على هذه الآثارِ كان من المتبعين، وكان أَوْلاهم بهذا الاسمِ، وأَحقَّهم بهذا الوَسْمِ، وأَخَصَّهم بهذا الرَّسْمِ: «أصحابِ الحديثِ»؛ لاختصاصِهم برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم  ، واتباعِهم لقولِهِ،وطولِ مُلازَمَتهم له، وتَحمُّلِهم عِلْمَهُ، وحفظِهِم أَنفاسَهُ وأفعالَهُ. فأخذوا الإِسلامَ عنه مباشرةً، وشرائعَهُ مشاهدةً، وأَحكامَهُ معاينةً من غيرِ واسطةٍ، ولا سَفيرٍ بينهم وبينه واصلةٌ، فجاولوها عِيانًا، وحفظوا عنه شِفاهًا، وتَلَقَّفُوه من فيهِ رَطِبًا، وتَلَقَّنوهُ من لسانِهِ عَذْبًا، واعتقدوا جميعَ ذلك حقًّا، وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقينًا.

فهذا دينٌ أَخَذ أَوَّلُهُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مشافهةً، لم يَشُبْه لَبْسٌ ولا شُبهةٌ، ثم نقلَها العدول عن العدول، من غير تَحَامُلٍ، ولا مَيلٍ، ثم الكافَّةُ عن الكافَّةِ، والصافَّةُ عن الصافَّةِ، والجماعةُ عن الجماعةِ، أَخْذ كَفٍّ بكَفٍّ، وتَمَسُّكَ خَلَفٍ بسَلَفٍ، كالحروفِ يتلو بعضُها بعضًا، ويَتَّسِقُ أُخراها على أُوُلاها رَصْفًا ونظمًا».

إلى أن قال رحمه الله:

«فمَن يُوَازيهم في شرفِ الذكرِ؟! ويباهيهم في ساحةِ الفخرِ، وعلوِ الاسمِ؟! إِذ اسْمُهم مأخوذٌ من معاني الكتابِ والسُّنَّةِ، يَشْتملُ عليهما لتحقُقِهم بهما، أو لاختصاصِهم بأخذهما، فهم مُتردِّدون في انتسابهم إلى الحديثِ بين ما ذكرَ اللهُ - سبحانه وتعالى - في كتابه، فقال تعالى ذِكْرُه: â ª!$# tA¨tR z`|¡ômr& Ï]ƒÏptø:$# á [الزمر: 23] فهو القرآنُ. فهم حَمَلةُ القرآنِ وأهلُهُ وقراؤهُ وحَفَظَتُه، وبَيْن أن يَنتموا إلى حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فهم نَقلتُهُ وحملتُهُ.

 

فلا شكَّ أَنَّهم يستحقون هذا الاسم، لوجودِ المَعْنَيَيْنِ فيهم، لمشاهدتِنا أَنَّ اقتباسَ الناسِ الكتابَ والسُّنَّةَ منهم، واعتمادَ البريةِ في تصحيحهما عليهم؛ لأنَّا ما سَمِعنا عن القرونِ التي قبلنا، ولا رأَينا نحن في زمانِنا مُبْتدِعًا رأسًا في إقراءِهِ القرآنِ، وأَخَذ الناسُ عنه في زمنٍ من الأَزمانِ، ولا ارتفعت لأحدٍ منهم رايةٌ في روايةِ حديث رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما خلت من الأيامِ، ولا اقتدى بهم أَحدٌ في دينٍ، ولا شريعةٍ من شرائعِ الإسلامِ» انتهى.

 

ويُسَمَّوْنَ أيضًا: «أَهلَ الأَثرِ»، والأَثرُ: هو الحديثُ، والنسبةُ إِليهِ: «الأَثريُّ».

 

قال السَّمْعانيُّ «الأنساب» (1/84) ،  «لوامع الأنوار» (ص64):

«الأَثريُّ، بفتح الأَلفِ، والثاءِ المثلَّثةِ، وفي آخرِها الراءُ: هذه النسبةُ إلى الأَثرِ، يعني الحديثَ وطلبَهُ واتباعَهُ».

 

وقال العِراقيُّ في مَطْلعِ «ألفيتِهِ في علمِ الحديثِ» :

يقولُ راجي ربِّه المقتدرِ

 

عبدُ الرَّحيمِ بن الحُسَينِ الأَثريِ

قال في «شرحِها» :

«الأثرَيُّ: بفتح الهمزةِ، والثاءِ المثلَّثة: نسبةٌ إِلى الأَثرِ، وهو الحديثُ».

 

وقال السَّفَارينيُّ في مَطْلعِ قصيدتِهِ في «اعتقادِ أَهلِ السُّنَّةِ» :

وَسمْتُها بالدُّرَّةِ المضِيَّهْ
على اعتقادِ ذِي السَّدادِ الحَنْبلي
حَبْرِ المَلا فَرْدِ العلا الربَّاني
فإنَّه إِمــامُ أهــلِ الأَثَر

 

في عَقْدِ أَهلِ الفِرْقَةِ المَرْضِيَّهْ
إمامِ أَهلِ الحقِّ ذي القَدْرِ العلي
ربِّ الحِجَي ماحي الدُّجى الشَّيْباني
فَمَن نحا نحوَه فهو الأَثَري

 

قال في شرحِها :

 «فإنَّه أَي: الإمام أحمد رحمه الله: «إمامُ»، وقُدوةُ: «أَهلِ» أَيْ: أَصحاب الأَثرِ: يعني الذين إنَّمَا يأخذونَ عقيدتَهم من المأثورِ عن الله - جلَّ شأنُهُ - في كتابهِ، أو في سُنَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، أو ما ثبَتَ وصَحَّ عن السَّلَفِ الصالحِ، من الصحابةِ الكرامِ، والتابعين الفِخامِ، دون زبالاتِ أهلِ الأَهواءِ والبدعِ، ونُخالاتِ أصحابِ الآراء والبشَعِ.

 

«فَمَنْ نحا» أي قَصَدَ ويَمَّمَ «مَنْحاهُ»: أَي مقصدَه، ومذهبَهُ، وسارَ بسيرتِهِ من اتباعِ الأَخبارِ واقتفاءِ الآثارِ. «فهو»: أي ذلك الذاهب مذهبَ الإِمامِ أَحمدَ «الأَثري» أي: المنسوب إِلى العقيدةِ الأثريَّةِ والفرقةِ السَّلفيَّةِ المرضيَّةِ، ويُعرفُ أَيضًا بمذهبِ السلفِ، وهو مذهبُ سلفِ الأُمةِ وجميع الأَئمةِ المعتبرين المقَلَّدين في أَحكامِ الدينِ» انتهى.

 

وإلى لقاء قريب بإذن الله تعالى

 

 

                           والله أعلم وصلِّى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم

 

تاريخ الاضافة: 19/04/2009
طباعة