أسهم معنا في نشر الموقع
موقع الشيخ محمد طلبة | ركــــن الـمـقـالات >> قراءة الفاتحة خلف الإمام

عرض المقالة :قراءة الفاتحة خلف الإمام

  ...  

   

ركــــن الـمـقـالات

اسم المقالة : قراءة الفاتحة خلف الإمام
كاتب المقالة: الشيخ محمد طلبة
تاريخ الاضافة: 04/04/2010   الزوار: 547

 

قراءة الفاتحة خلف الإمام

كتبه : محمد طلبة

 

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .. أما بعد ،،

فقد اختلفت آراء أهل العلم رحمهم الله في مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام – بناءً على النصوص الشرعية التي وردت إليهم ، وفهمها - إلى ثلاثة أقوال في الجملة ، هي :

القول الأول : أن المأموم لا يجب عليه أن يقرأ الفاتحة مطلقاً ، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية .

القول الثاني : أن المأموم يجب عليه أن يقرأ الفاتحة مطلقاً ، أي ولو كانت الصلاة جهرية .

القول الثالث : أنه يقرؤها في السرية وجوباً دون الجهرية فإنه ينصت .

وكل من أصحاب الأقوال السابقة لهم أدلتهم التي اعتمدوا عليها فيما ذهبوا إليه ، فليس العلماء رحمهم الله – في أحكامهم – ينطلقون من أهواء أو نظر مجرد عن الدليل . لكن ربما يعتمد أحدهم على نص يعتقد صحته فيَثبُت ضعفُه ، أو يعتمد على فهمٍ لمجرد النص الصحيح ، واهماً عن الأدلة الأخرى المقيِّدة للمطلق أو المفصلة للمجمل ، مع اختلافهم كذلك - رحمهم الله - في تمكنهم من الآلات اللازمة للاستنباط من حيث الاستقراء التام للباب وكذلك فهم المقاصد الشرعية الكلية ، وضم النظير إلى نظيره ، إضافة إلى التصور الكامل للمسألة .

وإلاّ فالكل لا يُعدم الأجر بإذن الله ، وقد أحسن من انتهى إلى ما علم ، ونجى وربح من كان هدفه أن يصل إلى الحق ، ليصدع به في العالمين . أما المقلد المتعصب ، فليس هو مقصودنا . عصمنا الله والجميع من الخطأ والزلل .

فصل

القول الأول : أن المأموم لا يقرأ الفاتحة مطلقاً ، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية .

ذهب إلى هذا القول الإمام أبو حنيفة رحمه الله ، أن قراءة الفاتحة في الصلاة السرية أو الجهرية مستحبة غير واجبة ، واستدل بحديث جابر رضي الله عنه ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) غير أن هذا الخبر لا يصح .

فقالوا أن المأموم إذا ترك قراءة الفاتحة صحت صلاته ، غير أنه يستحب له أن يقرأها إذا كانت الصلاة سرية ، أو إذا كان لا يسمع ما يجهر فيه الإمام .

بينما أوجبوا عليه الإنصات في حالة الجهر ، لأن الأمر بالإنصات أعلى من مجرد الفضل المستحب في قراءة الفاتحة ، ويذكرون قوله تعالى ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون )

قال في المبسوط :  ( وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِعَيْنِهَا بَلْ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ ، فَاِتَّخَذَ النَّاسُ تِلَاوَتَهُ عَمَلًا ، وَحُصُولُ هَذَا الْمَقْصُودِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَسَمَاعُ الْقَوْمِ ، فَإِذَا اشْتَغَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقِرَاءَةِ لَا يَتِمُّ هَذَا الْمَقْصُودُ ، وَهَذَا نَظِيرُ الْخُطْبَةِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا الْوَعْظُ وَالتَّدَبُّرُ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ وَيَسْتَمِعَ الْقَوْمُ لَا أَنْ يَخْطُبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ ، دَلَّ عَلَيْهِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَرْكَانِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي لَمَا سَقَطَ بِهَذَا الْعُذْرِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَلَا يُقَالُ إنَّ رُكْنَ الْقِيَامِ يَسْقُطُ ، فَإِنَّهُ لابُدَّ مِنْ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا ، وَفَرْضُ الْقِيَامِ يَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ تَصِيرُ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِالْقِرَاءَةِ ، كَمَا أَنَّ بِخُطْبَةِ الْإِمَامِ تَصِيرُ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا بِالْخُطْبَةِ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُكْنًا فِي الِابْتِدَاء ، ثُمَّ مَنَعَهُمْ عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ خَلْفَهُ قَالَ مَالِي أُنَازَعُ فِي الْقُرْآنِ ) أهـ.

فتوصلوا من ذلك إلى الاستحباب وليس الوجوب ، غير أني أقول أن هذا القول لا يحتاج إلى مزيد بسط لأنه ليس موضع خصومة الآن فيما يظهر ، بينما النزاع فيما إذا جهر الإمام ، هل يقرأ أم لا يقرأ ؟! فعلى أصول هذا القول أنه لا يقرأ ، وهو واضح .

وهذا القول بهذا الإطلاق ضعيف ، لورود النصوص التي تؤكد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم ، والتي يفهم منها أيضاً بطلان صلاة من لم يقرأ بها ، كما في حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت – في الصحيحين - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) وبالحديث الذي رَوَاهُ مُسْلِمٌ عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي مولاهم عن أبيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( مَنْ  صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلَاثًا ) أَيْ : غَيْرُ تَمَامٍ فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : إنِّي أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ . فَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : { قَالَ اللَّهُ : قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ... ) الحديث

وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم بشكل مجمل ، فيظهر من ذلك ضعف من ذهب إلى الاستحباب بإطلاق .

فصل

القَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ المَأْمُومَ يَجِبُ عليه أن يقرأ الفاتحة مطلقاً ، أيضاً ولو كانت الصلاة جهرية ويسمع قراءة الإمام .

وهو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله وجماعة ، وعمدتهم ما تقدم من نصوص في الإيجاب ، وبما رواه الإمام أحمد والترمذي رحمهما الله وآخرون من حديث الزهري عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ؟ قلنا نعم ، قال: لا تفعلوا إلاّ بفاتحة الكتاب ) غير أن هذا الخبر لا يصح ، فقد رواه مكحول عن محمود بن الربيع ، وقد خالفه الزهري حيث رواه عن محمود بن الربيع بدون ذكر زيادة ( لعلكم تقرؤون ) ولا زيادة ( إلاّ بأم القرآن ) وهي زيادة منكرة ، أنكرها الإمام أحمد رحمه الله وشيخ الإسلام بن تيمية وآخرون .

فرأى أصحاب هذا القول - رحمهم الله - وجوبَ قِرَائَتِهَا عَلَى المَأْمُومِ ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالى ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) الآية ، بأن المراد بذلك فيما سوى الفاتحة ، أما الفاتحة فتُقْرَأُ وَلَوْ مَعَ قراءة الإمام ، إذا لم يترك الإمام سكتة للمأموم يقرأ فيها .

 

فصل

القَوْلُ الثَّالِثُ : أنه يقرؤها في السرية وجوباً دون الجهرية فإنه ينصت .

وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله والإمام مالك وجماعة من أهل العلم ، وقد ثبت عن جماعة من الصحابة ، منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيدُ بن ثابت وجابرُ بنُ عَبْدِ الله وَغَيْرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

وهو القول الراجح والذي تؤيده الأدلة ، من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم رحمهم الله ، وهو الذي يؤيده القياسُ وَالفَهْمُ الصحيحُ لِلْحِكَمِ الشَّرْعِيَّةِ في نَفْسِ الوَقْتِ . ولعلي أسوق أدلتهم وتوجيه أدلة المخالفين في ثنايا هذا القول بإذن الله تعالى .

أما دليل القرآن الكريم فقد جاء الأمر بالإنصات في قوله تعالى ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) وهذا واضح الدلالة وقطعي الثبوت ، وقد استفاض عند أهل العلم رحمهم الله أن المقصود بهذا الأمر أي في داخل الصلاة ، لأن غير المصلي لا يجب عليه الإنصات اتفاقاً . وحتى القول بأن المقصود بالآية أي في خطبة الجمعة فلما فيها من قراءة القرآن .

قال أهل العلم رحمهم الله على قوله تعالى ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) قالوا : من حيث الظاهر ، فهذا لَفْظٌ عَامٌّ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بالْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بالْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ يَعُمّهما . وَالثَّانِي بَاطِلٌ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِمَاعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَفي نفس الوقت لَا يَجِبُ فِي  الصَّلَاةِ !! فهذا لا يصح ولم يقل به أحد .

وقد قيل للإمام أحمد رحمه الله : إن أناساً يقولون أن من لا يقرأ الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية فصلاته باطلة !! فغضب رحمه الله ، ثم قال : مَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ : إنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ .

وَقَالَ رحمه الله: هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ ، وَهَذَا مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَهَذَا الثَّوْرِيُّ ، فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَهَذَا الْأَوْزَاعِيُّ ، فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَهَذَا اللَّيْثُ ، فِي أَهْلِ مِصْرَ ، مَا قَالُوا لِرَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَقَرَأَ إمَامُهُ ، وَلَمْ يَقْرَأْ هُوَ : صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ . أهـ

وهذا الكلام من الإمام أحمد رحمه الله يُحمل على أنه استنكار لذلك القول ، وكأنه يقول بأن هذا إجماع من علماء الأمصار على أن الفاتحة ليست شرطاً لصحة الصلاة ، وهذا القول هو الحق كما ذكرنا ، أن الفاتحة ليست شرطاً لصحة الصلاة وإنما هي واجبة وتسقط عن المأموم في حالة الصلاة الجهرية حين يسمع الإمام وتسقط أيضا عن المسبوق اتفاقاً ..

وقد روى الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة جهر فيها ، فقال : هل قرأ أحد معي آنفاً ، فسكت القوم ، ثم أعاد مرتين أو ثلاثاً فقالوا : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أقول مالي أنازع القراءة ) قال الزهري : فانتهى الناس عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجهر فيه .

وهذا ظاهر في عدم مشروعية القراءة فيما يجهر فيه الإمام . وإعلال الخبر بإرسال الزهري مردود وتفصيله في محل آخر ، والزهري هو راوي حديث ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ولا تعارض ، ومع ذلك فالحجة فيما وصله من المرفوع عن ابن أكيمة عن أبي هريرة .

قال في الشرح الكبير : ولا تجب القراءة على المأموم ، هذا قول أكثر أهل العلم ، وممن كان لا يرى القراءة خلف الامام علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والأسود وابراهيم وسعيد بن جبير . وقال ابن سيرين لا أعلم من السنة القراءة خلف الامام .

وأما حديث ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )  فمحمول على غير المأموم أو المأموم في الصلاة السرية ، وكذلك حديث أبي هريرة وقد جاء مصرحا به فروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا وراء الامام ) رواه الخلال .

وقول أبي هريرة "اقرأ بها في نفسك" فهو من كلامه ورأيه وقد خالفه غيره من الصحابة ، وحديث عبادة لم يروه غير ابن اسحق ونافع بن محمود بن الربيع وهو أدنى حالا من ابن اسحق وقد خالفهم الزهري وهو من هو ، وقياسهم على المنفرد لا يصح لأن المنفرد ليس له من يتحمل عنه القراءة بخلاف المأموم ، فضلاً عن الذي يحصل من تفويت الإنصات والتدبر لا لقراءة الإمام ولا لقراءة نفسه إذ تشوش عليه قراءة الإمام وقد قال تعالى ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) .

قال ابن قدامة رحمه الله في المغني : وَالْمَأْمُومُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَلَا يَقْرَأُ بِالْحَمْدِ ، وَلَا بِغَيْرِهَا ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ؟ ) ، قَالَ : فَانْتَهَى النَّاسُ أَنْ يَقْرَءُوا فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، وَلَا تُسْتَحَبُّ عِنْدَ إمَامِنَا ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .

وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَنَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ .أهـ

وذكر الأقوال الأخرى التي أشرنا إليها إلى أن قال : وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) . وَقَالَ أَحْمَدُ : فَالنَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذَا فِي الصَّلَاةِ .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالزُّهْرِيُّ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ .

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ : كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، فَنَزَلَتْ : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .

وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ .

وَلِأَنَّهُ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الصَّلَاةَ ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) .رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وقال ابن قدامة أيضاً : وَلِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَسْبُوقِ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَسْبُوقِ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمَسْبُوقِ ، كَسَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ .

وكذلك من غير الموافق لمقاصد الشرع أن نقول للإمام اقرأ ثم نقول للمأموم اقرأ وفي نفس الوقت نقول له أنصت فهذا لا يستطيعه أحد وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .

فالقول الراجح إذن هو عدم مشروعية القراءة على المأموم في الركعات الجهرية ، وتجب القراءة عليه في الصلوات السرية وإذا كان منفرداً ، وذلك لإعمال الأدلة وعدم ضرب بعضها ببعض ، لكن ينبغي أن يعلم أن المسألة خلافية بين أهل العلم فلا نتعامل معها سوى بالطريقة التي كان يتعامل بها العلماء مع المسائل الخلافية من غير تجهيل ولا تبديع ، ولا اعتبار أن كل صاحب قول أعلم من الآخر ، فكل من اتبع الدليل وانتهى إلى ما علم فقد أصاب فيما ذهب مادام يملك أدوات الاجتهاد والترجيح ولكل مجتهد نصيب .

وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح .

 

طباعة

<جديد قسم < ركــــن الـمـقـالات

فوائد من كتاب الطهارة - 2
فوائد من كتاب الطهارة - 1
نعمة رؤية النعمة
هدي النبي في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 3
هدْيُ النّبِيِّ في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 2
هدي النبي في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 1
من دقائق العربية - الحركة ودورها في التفسير -1
أعظم الكرامة لزوم الإستقامة
حاجةُ المتَحَدِّثين في «العقيدة» إلى علمِ الحديثِ


التعليقات : 3 تعليق
«إضافة تعليق المقالة »

ايميلك

اسمك

تعليقك


...
...

...

القائمة الرئيسية

الصوتيات والمرئيات

خدمات ومعلومات