أسهم معنا في نشر الموقع
موقع الشيخ محمد طلبة | ركــــن الـمـقـالات >> من دقائق العربية - الحركة ودورها في التفسير -1

عرض المقالة :من دقائق العربية - الحركة ودورها في التفسير -1

  ...  

   

ركــــن الـمـقـالات

اسم المقالة : من دقائق العربية - الحركة ودورها في التفسير -1
كاتب المقالة: د. جمال عبدالعزيز أحمد - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة
تاريخ الاضافة: 12/02/2010   الزوار: 212

من دقائق العربية

الحركة ودورها في التفسير (1)

 

اللغة العربية لغة حساسة ، ولغة راقية ، إذا تغيرت الحركةُ فيها تغير المعنى كلَّه ، وقد تأتي الكلمة نفسها دون تغيير ، ولكن السياق يبرز تغير المعنى ، وتباين الدلالة ، فعلى سبيل المثال كلمة ( مُحْتَلّ ) ، تكون مرة اسم فاعل يفعل الفعل ، وتارة اسم مفعول يقع عليه الفعل ، انظر إلى هاتين الكلمتين ( المحتل ) في هذه العبارة : (  هذا البلد المحتل الظالم لهذا البلد المحتل المظلوم ) ، نحن لم نغير أي حركة لكلمة ( المحتل ) ومع ذلك فالأولى اسم فاعل والثانية اسم مفعول ، وكذلك كلمة ( مختار ) ، يمكن أن تشغل خمسة معانٍ ، وهي بذلك الضبط دون تغيير في شيء منها ، فلو قلنا : أنا المختار لك لتكون ضمن فريق العمل معي ، فأنا عندئذ الذي اخترتك ، فـ( مختار ) هنا اسم فاعل ، فأنت المختار عندئذ لدينا ، فـ( مختار ) عندئذ اسم مفعول وقع عليه الإختيار ، كما نقول صلِّ على النبي المختار ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ لأن الله – سبحانه – قد اختاره ، فهو مختار ، فـ( مختار ) هنا اسم مفعول ، أما إذا قلنا :( هنا مختار الطلاب للدخول في الكلية ) فقد أصبحت الكلمة اسم مكان ، أي هنا مكان إختيار الطلاب الذين نمتحنهم ليدرسوا في الكلية ، أما إذا قلنا :( مختار الطلاب بعد صلاة العصر ) ، فقد تحول الاسم من اسم مكان إلى اسم زمان ، أي زمان اختيارهم في هذا الوقت ، لكن إذا قلنا :( لقد اختارتك الكلية مختارا دقيقا ) فقد تحولت الكلمة إلى مصدر ميمي ، وهو المصدر المبدوء بميم زائدة ، أي اختارتك اختيارا دقيقا ، فكلمة واحدة وبضبط واحد تحولت في عدة تراكيب إلى عدة معانٍ ، ( اسم فاعل واسم مفعول واسم زمان واسم مكان ومصدر ميمي ) ، وهو من دقائق العربية وخصائصها ، ومنحى من مناحي رقيها وتحضرها ، أن تعبر بالكلمة الواحدة في عدة سياقات لغوية كثيرة عن معان ودلالات متعددة ، بل أكثر من ذلك ، فقد تستعمل الكلمة في معان متعددة باستعمال النبر والتنغيم لاننظر إلى الضبط ، فمثلا كلمة ( ولد ) ، يمكن عن طريق نطقها بنبر عالٍ أو نبر منخفض هاديء أن يتغير المعنى ، فلو قلنا مثلا : ( يا ولد ) ، فنحن ننادي على الولد بدليل أنه يقول : نعم يا أبي ، أو يأتي بسرعة يتساءل عن مضمون النداء لينفذه ، ولكن لو قلنا بنبر هادىء في سياق الإستحسان – ونحن نشاهد مباراة رياضية وأعجبنا من أحد لعبة - : ( يا ولد يا ولد يا ولد ) ، فهو اسلوب تعجب واستحسان لانداء بدليل أنه لا يأتي ، بل لا يسمع كلامنا أصلا ، أما إذا خرجت الكلمة بنبر عالٍ صاخب ، وتقطيب جبين ، وعبوس وجه ، وتقريب الحاجبين ، وانتفاخ الأوداج  ( يا ولد ) فهو اسلوب انكار وعتاب ، وتأنيب وسخط ، وطلب للكف من المتكلم للمخاطب عن فعل لا يريده ، فهو يزجره وينهاه بذلك اللفظ ، وهذا كذلك من دلائل تسامي اللغة ، وامتلاكها لطرائق تعبير كثيرة ، وهنا نلتمس وجهًا آخر من وجوه العربية وهو الفارق اللفظي الكبير في الحركة وما يفعله من كشف للنص ، وتفسير له ، وطرح للمراد منه ، وشرح لجوانبه ، وهو الفارق بين ( يَمْسِك ) و ( يُمَسَّك ) الأولى بفتح الياء وكسر السين المخففة ، والثانية بضم الياء وتضعيف السين ، وهو فارق كبير للغاية ، فإذا قلنا : ( مَسَكَ فلان فلان بكذا ) فمعناه أنه أخذه بنفسه ، وتعلق واعتصم ، وأما قولنا : ( مَسَكَ فلانٌ الثوبَ ) ، عديناه إلى المفعول ،  فمعناه طيَّبَه بالمِسْك ، أي وضع عليه رائحة ذكية فواحة ،، وأما قولنا ( مسَّك ) بتضعيف السين ، فمعناه جعل الآخرين يقتدرون على الإمساك ، بعد أن لم يكونوا يقدرون ، فمسَّكت الولد بفؤاد المعنى أي أوضحته له فصار يفهمه بعد أن لم يكن في وسعه فهمه ، فصار بتمسيكي إياه يمسكه ، وهو معنًى راقٍ ؛ ولذلك إذا انطلقنا من هذا الفهم  السامي إلى القرآن لنرى ما فعلته الحركة ( الفتحة والشدة ) في التفسير وإضاءة الفهم وكشف مدلول الكلام ، فنجد قول الله – جل جلاله – [وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ] ( الأعراف 170 ) ، وهنا نقف لنتأمل هذا المعنى القرآني الكريم حيث أن المسلم ليس أنانيًا ولا مغلقا لداره ، ومسدلًا ستارَه على نفسه ، بل لابد له من درو إجتماعي كبير ، ومسؤولية فردية شخصية بين يدي الله – تعالى -   ، فلا يُقبل منه – وهو المتبع لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يكتفي بالعبادة ، وينعم بها من غير أن يورثها غيره ، ولا يُقبل منه أن يَرى منْكرًا دون أن يكون له يدٌ في تغييره وتقويمه ، ولا يقبل منه صمت في مكان يتحتم فيه الكلام ، ويتوجب فيه الإنكار ، فإذا رأى ظلما دفعه عن المظلوم ، وإذا رأى موقفًا لله فيه كلمة قالها بأدب ، ولم يصمت ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس ؛ ولذلك لابد له من عمل ، ووظيفة ، ورسالة ، فلا يكتفي بأن يُمْسِك الكتاب وينعم بفهمه وحده ، بعد أن عرَّفه اللهُ جلال الطاعة ، وسمو الوصل ، ورقة العبادة ، وتذوقها ، وأحبها ، فهو يسعى لتعليمها الناس ، وتبصيرهم بها وبمتطلباتها ، فهو يُمَسِّك غيره ، والفعل ( مَسَّك ) بتشديد السين ، متعدٍ إلى مفعول ، ولكن القرآن حذفه ؛ وذلك لتذهب النفسُ في تصوُّره كلَ مذهب ، فالمسلم الناضج الواعي الحصيف الذي يدرك مهمته ، ويحسن فهم رسالته لا يسكت إذا وجد مدخلًا لهداية الناس إلى الطريق ، وتبصيرهم بسلامة السبيل ، كبارًا وصغارًا ، شبابًا وشيبًا ، رجالًا ونساءً ، مقيمين ووافدين ، بيضًا وسودًا ، عربًا أم غير عرب ، مثقفين وغير مثقفين ، ماداموا يجهلون القضية والفهم ، ولا يُلِمُّون بفحوى الخطاب ، فهو لا يفتأ يتكلم ، ويبين ، ويشرح ، ويوضِّح ، وأجره على الله ، لا ينتظر مدحًا ، ولا يهاب قدحًا ، ولا ينتظر من أحد من الخلق جزاءً ، وإنما يلتمس منهم دعاءً ، ومن ربه قربًا وصفاءً ، ويذوب بين يدي ربه حياءً وبكاءً ، ويطلب إليه – سبحانه – قبولًا واصطفاءً ، فهو مشغول بدعوته ، مهمومٌ ببني جلدته ، ( يُمَسِّك بالكتاب ) فالحذف للمفعول أدخل كل شيء في الحياة ، فهو من صميم عمل الداعية ، وذكر المفعول لا يؤدي أداءه ، وهو محذوف ؛ لأنه أطلق العمل ، وفتح السُبُل للداعية أن يعدل كل معوج ، ويقوِّم كل مائل ، ولا يخاف في الله لومة لائم ، ففي الحديث الشريف :" لا يمنعن رجلًا هيبةُ الناس إن يقول بحق إذا علمه "(1) ، فأمْرُ الدعوة في باله ، لا ينساه ، وإن نسي نصيبه وحظه من لقمةٍ يتبلغ بها ، أو مالٍ له يُحَصِّله ، أو حظ له يتركه ، والعجيب أن الآية قالت : ( يُمَسِّكُون بالكتاب )  ولم تقل : ( يمسكون الكتاب ) ، وكأن الممسك قد أمسى عاشقًا للقرآن ، ولهانَ به ، يعيش له ، رابطًا مصيره به ، ذائدًا عنه ، ناشرًا إياه ، متحملًا لكل ابتلاء في سبيل إفهامه للخلق ، وبيانه للناس ، فهو دائم الحمل له ، مستمر الحديث عنه ، كأنه يرفعه في كل موطن ، ويبرزه في كل موقف ، يلهج لسانه به ، وبقيمه وضوابطه ، وتعاليمه وقوانينه ، ونواميسه ؛ ذلك لأنه يعيش له ، ويسعى لبيانه ، ويحيا لتبيانه ، فلشدة حرصه ، وحدبه على الناس ، ومحبته دومًا –يحمله دومًا : نطقًا ، وعملًا ، وفهمًا ، وتطبيقًا ، وسلوكًا ، ومعاملةً ، وأخلاقًا ، وشرحًا ، فهو بحق لا يستريح حتى يرى الناسَ كل الناسِ قد دانوا لله بالولاء ، ولرسوله بالحب والإنتماء ، وللإسلام بالفضل والنعماء ، لا يرقأ له جفن ، ولا يطمئن له قلب ، ولا يهدأ له بال ، ولا يقر له قرار ، حتى يرى الجميع يسجد لله صاحبِ الجلال ، الكبير المتعالي ، ويقتدون بسيد الخلق وصاحب المعالي والشيم وكريم الخِلال ، والذي اتصف بكل كمال(2) ، - صلى الله عليه وسلم - ، لكن هؤلاء المُمَسِّكين غيرَهم لاينسُون أنفسهم ، فهم يأخذون الزاد لرب المعاد ، ويومِ التناد ، قالت الآية [وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ] فهم يدركون أن تمسيكَ الناس بالكتاب يتطلب زادًا واتصالًا ؛ ومن ثم فهم يقيمون الصلاة ، عارفين أنها وقود العمل وسر استمراره ، وإقامتها تعني الكثير ، فهم لا يُصلُّون فقط ، لكنهم يقيمون الصلاة ، فهي بالنسبة لهم إقامة معوج ، وتقويم مائل ، وإصلاح فاسد ، وتعديل حياة ، ومنهج وجود ، لله الواحد المعبود ، ومن هنا فهم حريصون أشد ما يكون الحرص ، عازمون أشد ما يكون العزم على إقامتها بحقها ، ومستحقها ، فالهدف بالنسبة لهم معلوم ، والوسيلة موجودة ، ومن ثم فالغاية موفورة ، والمقصد واضح ، وكما تقول الحكمة :" إذا ما وضح الهدف سهل السبيل " ، فهم أناس كرام على ملاهم ، عزاز على ربهم ، بصَّرهم به ، وهداهم إليه ، وقربهم منه ، وحببهم فيه ، وأخذ بأيديهم إليه فعملوا لجلاله ، وشرفوا بالمهمة بين يديه ، فهم يجدون في منتهى الذلة له ، منتهى العزة لهم ، وصادق البكاء له هو السبب في كل ارتقاء منه ، والنحيب بين يديه مظنة التقريب ، والدموع دليل الخشوع ، وتمام الإعتراف له بالمنة سبب في دخول الجنة ، والإنسنانية الحقة في العبودية الحقة ، وأدركوا أن كمال الخلق في كمال السجود للحق ، فاستحقوا فضلًا منه أن ينعموا بقوله في نهاية الآية : [ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ]  فتكلم – سبحانه – بنون العظمة التي تناسب قدرهم عنده ، وحبه لهم ، وبأسلوب التوكيد ( إنَّا ) الذي يريح أفئدة أهل الدعوة ، ويبكي أعينهم شوقًا إليه ، وذوبًا في لقاءه ، وافتراش الجبهة بين يديه ، وسكب العبرات الغوالي بانكسار قلب ، ودموع عين ، وفرحة فؤاد ، وسعادة نفس ، إنه الله – جل في علاه – صاحب الفضل في النفس والنفيس ، والفتيل والقطمير ، والشهيق والزفير إنه – تعالى الله – لا يضيع أجرهم ، ولا يبدد ثوابهم ، ولا يحرمهم جهدهم ، ولا يمحق أعمالهم ، وإنما يثمِّن جهدهم ، ويعطيهم سؤلهم ، ولا يترهم أعمالهم ، إنه تفضلًا منه – وهو هاديهم – يقول : [ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ]  ، فسماهم مصلِحين رغم هدايَته إياهم ، وتبصيره لهم ، وامتنانه عليهم ، ومع ذلك لم يضيع لهم الأعمال ، ولكن حفظها لهم في المآل ، يضاعف لهم الأجر ، ويزيدهم من فضله ، فهو الحنان المنان ، وهو واهب المنن العظام فوَصَفهم بالمصلحين لا الصالحين ، فالصالح صالح في نفسه ، أما المُصلح فهو من أدرك مهمته وأتقن رسالته فهو يقوم بها ، لا يشغله عنها شاغل ، ولا يأخذه حظ من الحياة ، مشغول بالله ، ماشٍ في هداه ، مقر بنعماه ، عامل ليوم يلقاه ، جل ربنا في علاه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه ومصطفاه ومن على هديه سار ، وأثره اقتفاه ، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام وحب القرآن ، واتباع الرسول – عليه الصلاة والسلام - ، وعلى تعليمك لنا لغة كتابك ، ، اللهم زدنا منها غرفًا لنزداد منك قربًا ، وعلمنا منها ما جهلنا ؛ لنرتقي منك باعا ، ونقترب منك كل يوم ذراعًا ، ونأتي إليك هرولة سراعًا ، اللهم زد لغة كتابك في قلوب الناس مهابة ، وحببها إليهم ، ويَسِّر تعليمها عليهم ؛ ليعرفوا جلالك ، ويدركوا كمالك ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وتُحَصَّلُ الخيرات ، وتنزل النعم والفيوضات ، وتقضى الحاجات ، وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

                                                                              

 

 

الهوامش

 (1) رواه ابن ماجة (4007)  في كتاب الفتن من حديث أبي سعيد الخدري .

(2) المقصود كل كمال بشري ، وإلا فالكمال المطلق لله وحده لا شريك له .

طباعة

<جديد قسم < ركــــن الـمـقـالات

فوائد من كتاب الطهارة - 2
فوائد من كتاب الطهارة - 1
قراءة الفاتحة خلف الإمام
نعمة رؤية النعمة
هدي النبي في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 3
هدْيُ النّبِيِّ في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 2
هدي النبي في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 1
أعظم الكرامة لزوم الإستقامة
حاجةُ المتَحَدِّثين في «العقيدة» إلى علمِ الحديثِ


التعليقات : 1 تعليق
«إضافة تعليق المقالة »

ايميلك

اسمك

تعليقك


...
...

...

القائمة الرئيسية

الصوتيات والمرئيات

خدمات ومعلومات