أسهم معنا في نشر الموقع
موقع الشيخ محمد طلبة | ركــــن الـمـقـالات >> أعظم الكرامة لزوم الإستقامة

عرض المقالة :أعظم الكرامة لزوم الإستقامة

  ...  

   

ركــــن الـمـقـالات

اسم المقالة : أعظم الكرامة لزوم الإستقامة
كاتب المقالة: د. جمال عبدالعزيز أحمد - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة
تاريخ الاضافة: 18/01/2010   الزوار: 82

أعظم الكرامة لزوم الإستقامة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ..

الناس في مسيرة الحياة أصناف ، وتجاه الإعتزاز بما عندهم ألوان ، وأطياف ، وخصوصًا فيما يتعلق بشرف الإنتساب ، فمنهم من ينتسب إلى أبيه فلان ، أو جده فلان ، الذي كان وكان ، وكان قيد الزمان ، وموضوع حديث الأنام ، ومنهم من يرتكن إلى علمه ، وضربه بسهمه في ميادينه ودروبه ، واعتلائه قمم العلم والمعرفة ، ومنهم من يعتز بأولاده وما قدموا من مؤسسات وشركات ، ذاع صيتها ، وانتشر عملها ، وضربت في الأرض بأطنابها ، ومنهم من يرتكز على ماله وكثرته ، والتفاف الناس حوله ، وممنافقته والمسارعة في مداهنته ، ولكن منهم من يفوق هؤلاء جميعًا ، ويفتخر بإنتسابه إلى ربه ، وارتكانه إلى مولاه ، وكونه يحفظ الكتاب الكريم هو وأولاده وزوجته ، ويغلق عليه بابه ، ويراجع دومًا حساباته ويحرص على صلاواته وتسبيحاته في غدواته وروحاته ، وجل همه خدمة عباد الله وتقديم كل ألوان الدعم لهم ، فلا ينتظرون ثناءً ، ولا يعبأون بمدح ، قلوبهم أخلصت لربهم ، وأفئدتهم تعلقت بالآخرة ، ولا تجد منهم شرورًا أو آثامًا ، يختلطون بالمجتمع في إطار ثوابتهم الدينية ، فلا يغتابون ولا ينافقون ، ولا ينمون ولا يكذبون ، ولا يخادعون ولا عن أعمالهم التي نيطت بهم يتأخرون ، وإن أخذوا قليلًا لا يتأخرون ولا يتأففون ، وعلى ربهم يتوكلون ، وهم في وجوه الخلق باسمون ، لا يكشرون ، ولا لأصواتهم يرفعون ، إنما هم بربهم مشغلون ، وبتحصيل كل أنواع البر عاملون ، ولا لأي ابتلاء يتوقفون ، وكل من حولهم بهم مبسوطون ، هؤلاء إذا حضروا من تواضعهم لا يعرفون ، وإذا غابوا لا يفتقدون ، والناس حيالهم وبهم مبهورون ، لكن مثلهم لا يعملون وإذا ماتوا لا ينسون ، والخلق بالدعاء لهم مستمرون ، وبالحزن عليهم وعلى سيرتهم مجتمعون متحدثون ، إنها الإستقامة أعظم الكرامة ، وأرقى ألوان رفع المكانة .

إن الإنسان الملتزم حق الإلتزام هو السعيد ، وليس غيره ، قال الشاعر الذي خبر الحياه وحلب الدهر أشطارا :

ولست أرى السعادة جمع مال               ولكن التقي هو السعيد

 

وقال الشاعر الكبير أحمد شوقي عن الحياة وخبرته فيها وأنها جميلة عند الأرتكان فيها إلى الله :

 

جنيت بروضها وردًا وشوكًا                    وذقت بكأسها شهدا وصابًا

فلم أر غير حكم الله حكمًأ                         ولم أر دون باب الله بابًا  

 

إن الإلتزام يعني التحمل والرجولة ، وجماله ترك الشهوات وحظوظ النفس ، وما يعمله الناس من ألوان الترف والنعيم إلى حياة ملؤها الشموخ والإبتلاء ، وجلها الصدق والوفاء ، فتجد الملتزم الصادق في إلتزامه يرى حقًا عليه إعانة الكبير ، وغوث المحتاج ورحمة الصغير وتقديم كل المساعد لمن طلب أو من لم يطلب من الإعفاء الذين يحسبهم الجاهل من التعفف أغنياء ، وهم مع ذلك [يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ] يُنَقُّون أعمالهم من شبهة الرياء ، ويرتقون بحياتهم بجعلها لله فهم أصفياء أنقياء ، ترى أحدهم متكفأً في الطريق حتى يفي بوعده فلا يتأخر ، وترى الآخر يعجل بالوصول إلى عمله لعلمه بأن مصالح الناس يجب أن تقضى ولا تتأخر ، وثالثا إذا انتهى من عمله على خير وجه أمسك بكتاب الله يتلوه ، ويتأمل فيه ، ويسأل الله القبول والعون ، وأن يعطيه الصحة والعافية ليصل إلى كل محتاج فيقوم بحقه ، وينهض لسعادته وشأنه ، قال الرسول الكريم :" إن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الخلق ، حببهم في الخير ، وحبب الخير إليهم ، هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة " (1) .

ومن ثوابت هؤلاء الملتزمين أن من قدر على شىء وجب عليه وإن لم يُطلب إليه ، وأن السعادة الحقيقية هي في رؤية الآخرين سعداء ، وأن أمتع الساعات هي تقديم الخدمات ، وأن أقرب القربات حفظ الأوقات ، وأن أخذ ما في أيديهم أحب إليهم من إعطائهم وملء أيديهم .

إن حياة الإلتزام حياة أخرى فوق حيوات الناس ، وهم دائما في بالهم قول الله تعالى [وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ] ، ويقول الله في حقهم [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  ]

 

إن إبراهيم عليه السلام عندما تذوق طعم الطاعة وعرف جلالها لم ينس الناس أجمعين فقال [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ، وقال [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ  ] ، وهذا نوح عليه السلام دعا ربه فلم ينس بقية من معه حيث قال [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا] حتى إن رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يدعوا على قومه ، وقال بقلب الحاني الرحيم :" أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئا  " (2) .

دائما أهل الإلتزام أهل عطاء وإحسان ، وأهل رقة وإيمان  ولا يتأففون ولا يتذمرون ولا يسخطون ، وإذا عاشرتهم ترى الرضا على شفاههم ، وطيب النفس في قلوبهم ، والبسمة تعلو شفاههم ، واليقين ملء أفئدتهم ، الله الله في الإلزام وأهله ، ترى الرجل منهم فقير الجيب ، غني القلب ، خشن الثوب ، رقيق القلب ، قليل المال ، راضي الحال ، بعيد عن السؤال ، قريب من الكبير المتعالي ، لا منغصات لديه ، ولا شىء يبكي عليه ، لحال الناس مهتم ولرقة حاله غير مهتم وبالناس رؤف رحيم ومعهم حليم كريم ، وهم به آنسون ولإحترمه متوفرون ، إذا غاب عنهم كادت أروحهم تخرج ، وبالقرب منه تكاد نفوسهم بالسعادة تمزج ، يريدون أن يحملوه وعن طيب خاطر يحبون أن يكرموه ، إنه الإلتزام .

إن الكرامة في لزوم الإستقامة ، نسأل الله أن يرزقنا الإستقامة ، وجميل الإتباع ، وحسن المقصد ، وسلامة التوجه ، وجلال الطاعة وكمال الإلتجاء ، حتى نعيش عيش الأبرار ، ونلقى الله ونحن نتمتع بمظهر الملائكة وبنقاء الملاء الأعلى .

الله إنك تعلم صدقنا فيك ، وحبنا لجلالك ، وتوقنا إليك ، فخذ بأيدينا إليك وقربنا منك واكتبنا في الصادقين ، واجعلنا من عبادك المقربين ، الذين قلت فيهم إنهم [َلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] ،

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

الهامش:

1- ضعيف

2-رواه البخاري من حديث عائشة

 

طباعة

<جديد قسم < ركــــن الـمـقـالات

هدي النبي في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 3
هدْيُ النّبِيِّ في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 2
هدي النبي في صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) - 1
من دقائق العربية - الحركة ودورها في التفسير -1
حاجةُ المتَحَدِّثين في «العقيدة» إلى علمِ الحديثِ
وقفات مع آيات الصيام
حاجةُ الفقهاء لعلم الحديث
أهمية علم الحديث
هذه عقيدتى (7) - كيف نحب الله ورسوله ؟ - نهاية السلسلة


التعليقات : 4 تعليق
«إضافة تعليق المقالة »

ايميلك

اسمك

تعليقك


...
...

...

القائمة الرئيسية

الصوتيات والمرئيات

خدمات ومعلومات